“بزنس” المضاربة على الدولار يسرق السوريين مرتين.. كيف؟

مرة أخرى، يجد السوريون أنفسهم أمام “مافيات” المضاربة على الدولار، والتي تنصب فخاخها على وقع تباين استثنائي بين سعري الصرف الرسمي والموازي، مستغلة نقص السيولة بالليرة السورية.. 

يأتي ذلك نتيجة ظهور جيش من العاطلين عن العمل والمسرّحين من وظائفهم وتأخر في صرف الرواتب، وصعوبة التصريف بالسعر الرسمي عبر القنوات الرسمية وتقييد السحوبات من المصارف.

“بزنس المضاربة” على العملة الأمريكية، إرث نظام الأسد الثقيل، الذي أوجده ونظمه بحماية مباشرة منه، خلق إشكالا اقتصاديا كبيرا ما بعد السقوط وبات من أبرز التحديات المالية التي تواجه استقرار اقتصاد الدولة أو –إن صح التعبير- ما تبقى من دولة.

أدوات هذا البزنس سريع وخيالي الربح، هو بسطات وشركات صرافة وتحويل أموال “ناشئة” مرتبطة بكبار وقدماء المضاربين ولصالحهم، وحسابات على فيسبوك وقنوات على واتساب مجهولة المصدر، تتلاعب بقيمة العملة الوطنية وتنشر الشائعات بالهبوط الوهمي لسعر الصرف ما يثير ذعر من يكتنزون الدولار لتصريفه قبل هبوط السعر أكثر وتعميق خسارتهم. 

يقول فادي وهو مواطن سوري: “اعتدنا على مضاربات الدولار وجشع المضاربين.. طلع الدولار على أيام النظام نزل الدولار بعد سقوط النظام، المواطن السوري المعتر الذي يحاول قدر الإمكان الحفاظ على حر ماله من الهدر هو الخاسر الوحيد والصراف اشترى والصراف باع والصراف ربح”. 

بالمقابل، يقول أحمد الذي يعمل لدى إحدى شركات الصرافة الناشئة حديثا والمرتبطة بإحدى شركات تحويل الأموال، لـ”بزنس برس”، إن “تحديد سعر الصرف يبدأ يومياً في الساعة العاشرة صباحاً ولكنه لا يعلم حقيقة المصدر الذي يقوم بتحديد السعر ويرفض في الوقت نفسه أن يكشف أين تذهب الدولارات التي يتم شراؤها والتي تتراوح يوميا ما بين 1000 إلى 3000 دولار”.

لعبة الدولار

يكشف الخبير المصرفي عامر شهدا لـ”بزنس برس”، أن “المضاربة على الليرة السورية ليست وليدة لحظة سقوط النظام ولم تأت مع الحكومة الجديدة، فالنظام السابق كان على رأس مجموعة من المضاربين على الليرة”.

وأضاف أن “المضاربة تحولت إلى مهنة وبزنس خاص في سوريا منذ العام 2018 عندما تدخل رأس السلطة السابق في لعبة الدولار ووضعها في إطار منظم محولاً معظم الاقتصاد السوري في تلك الفترة إلى اقتصاد غير تنموي (استثرائي) يبحث التجار فيه عن الثراء وليس النمو”.

وبيّن شهدا أن “موضوع المضاربة استمر وتفاقم بعد سقوط النظام نتيجة الانفلات الحاصل بموضوع السوق الاقتصادية السورية وعدم وجود ضوابط ورقابة من قبل المصرف المركزي على تصريف العملات. وليس سراً أن المضاربين على الليرة اليوم هم شركاء المضاربين في عهد النظام السابق، وأن التصريف اليوم على البسطات يرتبط برؤوس المضاربين ولصالحهم”.

والسؤال الذي يطرح نفسه بحسب شهدا: “أين يستقر الدولار الذي يتم شراؤه والاستيراد متوقف؟”.. والسؤال الأهم “مَن أين يأتي الصرافون والمضاربون بالليرة السورية لشراء الدولار في ظل نقص السيولة في السوق السورية وتقييد السحوبات المصرفية؟”.

والإجابة، برأيه، هي أن “الدولار الذي يتم شراؤه من قبل المضاربين يجري نقله لدولة مجاورة على شفا انهيار اقتصادي ولتنقذ وضعها تسحب الدولار من أيدي السوريين وتضعه في مصارفها”.

أما فيما يخص نقص السيولة، يقول شهدا: “السيد وزير الاقتصاد في الحكومة الانتقالية أعلن من مصادر المصرف المركزي أن المنصة التي كانت تمول الاستيراد في سوريا عليها استحقاقات بقيمة 600 مليون دولار للمستوردين، ما يعادل 8 تريليون ليرة على حساب سعر المصرف. والسؤال هنا: أين ذهبت هذه الأموال وعلى أي أساس ينفي البنك المركزي توفر السيولة بالليرة؟”.

ارتفاع حتمي

فيما يرى الخبير الاقتصادي جورج خزام، في تصريح لـ”بزنس برس”، أنه “مع وصول مئات مليارات الليرة إلى المصرف المركزي من روسيا وإعادة ما فقدته الأسواق، سيبدأ محاربة تجفيف السيولة بالليرة، والتي قام بها الصرافون من أجل إحداث تخفيض وهمي وتقلب بسعر الصرف لجني الأرباح السريعة وزعزعة الاستقرار السياسي والاقتصادي وتكبيد الخزينة العامة خسائر فادحة”.

ويستدرك خزام أنه “لا شك أن الصرافين بالخارج مع شركائهم بالداخل لن يتركوا مليارات الليرات التي بحوزتهم تنخفض قيمتها، وسيكونون سباقين لاستخدامها بشراء الدولار من الأسواق، بالتزامن مع زيادة كبيرة بالعرض من الليرة، وبالتالي ارتفاع حتمي وسريع قادم بسعر صرف الدولار، ليعود مبدئيا للسعر الذي انطلق منه بالانخفاض (13 ألفاً وصولاً إلى 19 ألف ليرة) وهو السعر الذي يعبر عن حقيقة القوة الشرائية لليرة”.

وهذا يؤكد ما كان صرح به المستشار لدى البنك المركزي السوري الدكتور مخلص الناظر، بأن “سعر الصرف الحقيقي بعيد عن الرقم الموجود حالياً في المركزي والموازي القيمة الحقيقية لليرة وفق قانون تعادل القوة الشرائية هو 17 إلى 20 ألفاً للدولار الواحد”.

الناظر، وفي ظهور إعلامي، أكد أن تحسن أداء الليرة أمام الدولار حتى باتت من أفضل الأصول وتفوقت على الذهب هو تحسن غير منطقي في ظل مشكلة ندرة الليرة، حيث تم تهريب جزء كبير منها مع سقوط النظام إلى خارج الحدود وتوقف الطبع. النظام السابق كان معتمداً على الطبع بشكل هستيري، وشحن الشحنات المطبوعة ليس بتلك السهولة، والطلب شديد مقابل انخفاض العرض. 

وأضاف: “إذا افترضنا أن التحسن الذي سجلته الليرة منذ الثامن من ديسمبر وحتى اليوم هو بنسبة 60 بالمئة، فالأسعار بالمقابل لم تنخفض أكثر من 10 بالمئة، وهذا يؤكد أنه تحسن غير حقيقي مرتبط بتحسن الاقتصاد، كما أن انخفاض سعر الصرف في السوق الموازي عن السعر الرسمي وهذا بالمنطق الاقتصادي البسيط هو دليل أزمة سيولة بالليرة”.

هبوط وهمي

على المقلب الآخر، صرحت جهات رسمية في الحكومة الانتقالية أن هبوط سعر الدولار مقابل الليرة ساهم في تحسن قيمتها بنسبة 70 بالمئة وأدت بالتوازي إلى تحسن في القوة الشرائية.

وعلى العكس تماما، يقول الخبير المصرفي عامر شهدا، إن “هبوط سعر الدولار في السوق السوداء وتثبيته على سعر أعلى في نشرات ورقية للمصرف المركزي، ليس له أي انعكاس على القدرة الشرائية، ولم يترافق بتحسن الوضع المعيشي للمواطن، وزاد في الطين بلة عمليات التسريح للعمالة (قرابة مليون مسرح) كانوا مستهلكين وتوقف استهلاكهم بتسريحهم وانعكس سلبا على الأسواق”.

انخفاض سعر الدولار، برأي شهدا، “يكون إيجابيا في حال تزامن مع سياسات اقتصادية تعوض الضرر الناشئ عن عملية الانخفاض، بينما لم يتم طرح أي سياسة لتعويض هذا الضرر، في ظل تراجع المستوردات واحتضار منظومة التصدير نتيجة المضاربات على الليرة”.

ويوضح شهدا أن “مرونة حجم التصدير في ظل انخفاض سعر الصرف يعني أن التصدير يستجيب لانخفاض الأسعار نتيجة انخفاض سعر الصرف من خلال زيادة التصدير، الذي سيؤثر على مستوى الإنتاجية وحجم الإنتاج ومستوى الربحية والفوائد المتحققة التي تنعكس على مستوى الرواتب والأجور، ما يرفع من مستوى الطلب في السوق وتسريع عجلة الإنتاج والتصدير، وبالتالي يخفف من آثار انخفاض سعر الصرف، وهذا ما لم يتم حتى الآن في سوريا”.

لذلك، يؤكد شهدا أن “انخفاض سعر الصرف هو انخفاض وهمي ليس له أي تأثير على القوة الشرائية لليرة السورية أو موضوع رفع الطلب في السوق”. وهو ما يشير إليه الخبير الاقتصادي خزام بأن “مفهوم السعر الوهمي للدولار لا يعني بأنه غير موجود وغير متداول في عمليات بيع وشراء الدولار، وإنما يعني بأنه لا يعكس حقيقة القوة الشرائية لليرة”.

المنصة هي الحل

مؤخراً، انتشرت أخبار غير رسمية عن وعود حكومية بمنع التصريف العشوائي في البسطات والشوارع وبإلزام الصرافين استخراج تراخيص عمل، ليصار لاحقا إلى إلزام الجميع بسعر شراء ومبيع بحسب الشاشة الرسمية.

وقال خزام إن “تنظيم مهنة الصرافة لا تكون بتخفيض عدد الصرافين على الطرقات وإنما بتأسيس منصة لبيع وشراء الدولار من خلال المصرف المركزي وبالسعر الحقيقي الذي يعكس التوازن الحسابي الحقيقي بين العرض والطلب”.

وتأسيس المنصة، برأيه، “سيحول البنك المركزي من مصدر للخوف على الأموال، كما هو الحال الآن إلى مصدر للأمان ودون تقييد السحوبات حتى يضع الجميع أموالهم بالمصارف، وأيضاً سيمنع الصرافين من التلاعب بسعر الصرف ويجنبنا تكرار تجربة النظام السابق في التسعير الوهمي القسري بالقوة والتهديد بالسجن لتحقيق مصالح فردية لبعض المستفيدين”.