“السيّدة.. تمرين على النجاة”.. نبيل الملحم وفيروز والأمل

هذا ليس كتاباً عن فيروز، أو محاولة جديدة لقراءة التجربة الرحبانية أو تأريخها، ولا دراسة في الموسيقى العربية أو في سيرة واحدة من أكثر الأصوات تأثيراً في وجدان العرب. إنه، قبل كل شيء، كتاب عن الإنسان حين يعثر على ما ينقذه.

في كتابه الجديد “السيّدة.. تمرين على النجاة”، يفتح الروائي السوري نبيل الملحم صفحات من ذاكرته الشخصية، لا بوصفها سيرة ذاتية، بل بوصفها ذاكرة جيل كامل عاش الحروب والهزائم والمنفى، وكان يبحث، وسط كل ذلك، عن صوت يرمم ما تكسره الأيام، ذلك الصوت كان فيروز.. 

لكن فيروز هنا ليست مطربة، ولا أسطورة فنية، ولا أيقونة ثقافية، إنها رفيقة الطريق الطويل، شاهدة على الأزمنة التي عبرها الكاتب، وعلى المدن التي تبدلت، والأصدقاء الذين غابوا، والأوطان التي تغيرت ملامحها، فيما ظل صوتها، وحده، يحتفظ بقدرته الغامضة على إعادة ترتيب الروح كلما أوشكت على الانهيار.

ينطلق الكتاب من التجربة الشخصية، لكنه لا يبقى فيها طويلًا، فسرعان ما تتسع الدائرة لتشمل المشروع الرحباني كله، بوصفه أحد أعظم المنجزات الثقافية العربية في القرن العشرين، ليس لأنه أعاد كتابة الأغنية العربية فحسب، بل لأنه أسس لذاكرة جديدة، ولحساسية جمالية جديدة، ولطريقة مختلفة في الإصغاء إلى العالم.

يقرأ الملحم الرحابنة باعتبارهم مؤسسي وطن موسيقي كامل، وطن لا تحدّه الجغرافيا، بل الوجدان.. وطن استطاع أن يجمع الشعر بالمسرح، واللغة بالموسيقى، والأسطورة بالحياة اليومية، وأن يمنح الإنسان العربي مساحة نادرة يتصالح فيها مع جماله الداخلي، بعيدًا عن ضجيج السياسة وضيق الأيديولوجيا.

وفي هذا السياق، يتحول صوت فيروز إلى أكثر من تجربة سمعية؛ يصبح ذاكرة موازية للتاريخ، وملجأً للأفراد وهم يعبرون الخسارات الكبرى، حتى يغدو السؤال الحقيقي للكتاب ليس: لماذا نحب فيروز؟ بل: كيف استطاع هذا الصوت أن يرافق ملايين البشر في أكثر لحظاتهم هشاشة، من دون أن يفقد قدرته على مواساتهم؟

يكتب نبيل الملحم هذا العمل بلغة تتداخل فيها السيرة بالتأمل، والنقد بالحكاية، والذاكرة بالفلسفة، ليقدم نصًا يصعب وضعه في تصنيف واحد، فهو كتاب عن الموسيقى، لكنه أيضًا كتاب عن الزمن، وكتاب عن الذاكرة، لكنه كذلك كتاب عن النجاة، وكتاب عن فيروز، لكنه، في جوهره، كتاب عن الإنسان.

“السيدة.. تمرين على النجاة”، يحاول أن ينصت إلى ما تركته الأغنيات في أرواحنا أكثر مما ينصت إلى، الأغنيات نفسها، وأن يقرأ أثرها في تكوين الوعي الفردي والجمعي، وفي بناء ذاكرة عربية ما تزال، رغم كل ما أصابها، قادرة على أن تغني.

إنه ليس كتابًا عن الماضي، إنه كتاب عن كل مرة أنقذتنا فيها الموسيقى من السقوط، وعن كل صباح بدا أقل قسوة لأن فيروز كانت هناك.

“السيدة.. تدريب على النجاة” كتاب يكتب سيرة الذاكرة حين تتخذ من الموسيقى وطنًا، ومن فيروز اسمًا آخر للأمل.

جدير ذكره أن نبيل الملحم واحد من أبرز الصحفيين والروائيين السوريين، يقيم في ألمانيا، ومن أبرز أعماله: (آخر أيام الرقص)، (بانسيون مريم)، (سرير بقلاوة الحزين)، (موت رحيم)، (حانوت قمر)، (الجمهور القاتل). 

وسبق أن قدم للتلفزيون برامج عدة، منها (ظلال شخصية)، فضلاً عن كتابة مسلسلي (ليل السرار) و(أرواح منسية)، ومسرحية (أنا وهو والكلب).

برع الملحم في الكتابة السياسية والصحفية، وعمل في كبرى الصحف والمجلات العربية، وله إصدارات في التحليل السياسي والاجتماعي مثل: (سبعة أيام مع آبو).