
الصفحة 100 من “بانسيون مريم”.. بماذا تنبأ نبيل الملحم؟
روائياً، الانطلاق من اللحظة السورية الراهنة قد يحتاج إلى خلفيات ومقدمات منطقية تسير بالأحداث والشخصيات الروائية نحو السلاسة وفهم مجريات الوضع دون عناء، هذا من وجهة نظرة كلاسيكية ونمطية بحتة، لأن الرواية تُعيد بناء الواقع، وليس مطلوب منها أن تبدأ من الصفر، إذا اعتبرنا “الصفر” أول الأرقام.. فماذا لو لم يكن هكذا؟
“بانسيون مريم”، عنوان رواية للروائي والصحفي السوري نبيل الملحم، تحفر في الذاكرة السورية متتاليات الوضع والثورة السورية 2011، قبل أن يشهد السوريون سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، الأمر الذي استشرفته الرواية ووجدت لنفسها مكاناً روائياً جديداً على لسان شخصيات غير معتادة، بل وأحكمت قبضتها على واقع سوري ميؤوس منه، في خطوة روائية ليست سردية بقدر ما هي وصفية إذاً.
بعد روايتيْه “آخر أيام الرقص”، و”سرير بقلاوة الحزين”، أنجز الملحم روايته هذه، وألحق بالثلاثة روايتيْن أخريين، هما “موت رحيم”، و”حانوت قمر”، وغيرهما، كلها في عام واحد، ليُدخل قارئه في صلب رواياته دون أن يمنحه فرصة التفكير إلا بقراءتها تباعاً.
شخصيات بأبعاد سوريّة
يحوي هذا البانسيون في ثناياه شخصيات متعددة تبدأ بصاحبته مريم، ولا تنتهي بأنيس السوري، أو رعد العراقي، أو ناصر الفلسطيني، ولدى كل منها دوافع وحاجات داخل هذا البانسيون، بالقرب من شارع 29 أيار، وأمام فندق القيروان بمنطقة البحصة، في وسط دمشق.
بموازاة هذه الشخصيات الثلاث، هناك رضا وجلال وريتا وسوسن، وكل المتناقضات التي تحملها كل شخصية على حدة، والمختلفة في المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وكما هو حال رضا، المُعدم من كل شيء والمملوء يقيناً أنه ضيف الفروع الأمنية وهو الهارب من الاعتقال، على عكس ريتا الغنية، التي تعيش صراعاً داخلياً مع أبيها “تاجر الحروب”، وهي تؤيد الثورة، دون نسيان شخصية فرج العلي فياض، الذي يُقتل في نهاية الرواية، وغيرها من الشخصيات التي حملت أبعاد الوضع السوري المشتت والغارق في الغرابة.
الوصف.. ثم الوصف
لم تقف الرواية مكتوفة الأيدي، فنبيل الملحم صحفي كما كان، لا يخفي براعته في روايته الثالثة هذه، بل ويُحيل تسلسل الأحداث إلى قارئها، ويبدع في الوصف والرصد أكثر “لما تشهده مناطق سوريا الواسعة المحتجة، التي تدرجت في احتجاجاتها المطالبة بالإصلاح، إلى مطالب التغيير، وبعد سيل من القتل، وصلت المطالب الشعبية إلى إسقاط النظام ورحيل الرئيس، وفي النهاية تجاوزت مطالب المحتجين رحيل الرئيس إلى المطالبة بإعدامه”. ص 100.

تُظهر رواية نبيل الملحم “بانسيون مريم” قدرة الأدب على أن يكون مرآةً صادقة للواقع، بل ونبوءة له في بعض الأحيان؛ فالصفحة 100 هي الأساس الذي يوضح كيف بدأت الاحتجاجات في المناطق السورية الواسعة بمطالب بسيطة وعادلة مثل الإصلاح، ومع استمرار القمع وتزايد أعداد الضحايا، تطورت هذه المطالب بشكل جذري، وتصاعد الغضب الشعبي ليتحول إلى دعوات صريحة للتغيير وإسقاط النظام الحاكم وإعدامه، حيث ذروة المأساة هنا.
هذا التدرج الدراماتيكي، من الإصلاح إلى الإعدام، ليس مجرد حبكة روائية، بل هو وصف دقيق للتصعيد الذي شهدته الأزمة السورية على أرض الواقع، ما يجعل الرواية بمثابة شهادة مبكرة ومدهشة على مسار الصراع.
ولأننا نتحدث عن الوصف الذي يتعلق بطبيعة الحال بالتفاصيل، فقد غزت التفاصيل على المجريات أكثر من الأحداث الرئيسة نفسها، ونادراً ما خلت صفحة من الرواية، والتي بلغ عدد صفحاتها 246 صفحة، من ذكر تفاصيل تتعلق بالمكان الذي جاء بالغاً في التعبير، حتى إن توثيق الأماكن وأسماء الشوارع كان السمة الأبرز في مدلولات المكان الروائي، وكذلك بتفاصيل الشخصيات..
فها هي سوسن “عواقب الدورة الشهرية تنهكها، والمناديل المتوفرة في الأسواق تسرب البلل إلى ثيابها، والأسواق فقدت الفوط النسائية ما بعد العقوبات الاقتصادية التي أحاطت بالبلاد، فبات وجود فوط (ليبرس) السويدية، المحشوة بالجيل الخالص لضمان الامتصاص، بات محصوراً بصيدليات محددة، لم تهتد إليها سوسن بعد”. ص 175. كما أن البانسيون نفسه كان أكبر مكان تجتمع فيه هذه الشخصيات المتناحرة والراكعة نوعاً ما للوضع السوري.
وعلى سيرة الوصف، لا تتجاهل الرواية الوصف الخارجي لشخصياتها، بل وتتخذ من التحليل الدقيق للصورة الخارجة لها مادةً دسمة تسير بمقتضاها الناحية السيكولوجية أيضاً، ما يأخذ القارئ نحو تصوير المشهد خارجياً كرؤية جميلة ناتجة عن لغة ممشوقة السرد والإيجاز والمعنى، فـ “يلزمه كندرة بيضاء، ثم شد الحزام على الخصر، شعر أسود، مظفور بوردة، منحدر على الأكتاف، عينان سوداوان مشعتان، وساقان كما لون المرجان، وسيكون من الأفضل إن انحدر من الكتف شال أبيض من الدانتيلا، وسيعزز ذلك أن تمشي متمايلة قليلاً.. قليل من الليونة في الحركة.. إن امرأة واحدة قادرة على خلق أهم الصناعات التحويلية في هذا الكون.. إنها تحول الرجل من رجل ميت إلى رجل حي”!. ص 173. كل ما سبق ورد بلغة ساحرة!

مقاربة سوريا مغامرة روائية
تلعب الرواية على حبال المثقفين ودورهم وموقفهم عما يجري في بلادهم، حتى إن الشخصيتيْن الفلسطينية والعراقية في البانسيون أضافتا الكثير من التنوع إلى مصير سوري سيعيش ما عاشته هاتان الدولتان من قبل وربما أكثر منهما.
وتؤرخ الرواية لعلاقة واضحة بين الزمنيْن الماضي والحاضر، وتلعب أكثر على الوتر الحاضر، الذي هو في النهاية ضحية هذا الماضي، بذكر الأعوام والتواريخ والولوج في العمق الزماني للشخصيات والأحداث وأثرها على المصائر.
إن مقاربة الثورة السورية روائياً تحمل في طياتها الكثير من المغامرة، وتتعثر في الوقت نفسه بمعوقات كيفية البدء فيها، وهذا ما لم يُشغل بال نبيل الملحم بقدر ما سار مع شخصيات روايته “بانسيون مريم”، الصادرة عن دار أطلس في عام 2012، نحو نهاية مفتوحة لأحداث ستأتي لاحقاً، لم تتوقف عند قتل فرج العلي فياض.

ملاحظة: قد يتساءل البعض عن جدوى الرجوع إلى كتب قديمة وتحليلها. وردّ “بزنس برس” هو أن الكتاب بوصفه الوسيلة الثقافية الأولى لا يبتعد عن كونه خارجاً من إطار الزمان والمكان.. وتبقى المواضيع المطروحة هي الحكم، علماً أن هذا المقال “المعدل” سبق ونشرته في موقع “أورينت” قبل سنوات، قبل أن يختفي اسمي عليه.
لقراءة المزيد من المواد الصحفية ذات الصلة في موقع “بزنس برس”:



