مسلسل “تحت الأرض”.. بزنس سطوة رأس المال

يركز المسلسل السوري “تحت الأرض” لمؤلفيه شادي دويعر وسلطان العودة، على الصراع بين رأس المال والسلطة، وآليات الاستئثار بكل منهما، والتحالفات التي تنشأ في سبيل ذلك، إلى جانب الدهاء والفساد واللا أخلاق المرافقة لذاك السعي في سبيل الربح والجاه.

تدور أحداث العمل في دمشق أوائل القرن العشرين، حول عائلة الصافي، الأب محمود بك (فايز قزق) وقصة ابنيه أحمد (سامر المصري) وخالد (كرم الشعراني)، والعم حامد بك (هشام كفارنة) هذه العائلة التي تشتغل بتجارة التبغ وتسيطر عليها بيد من حديد..

لكن دخول تاجر غامض اسمه جودت (مكسيم خليل) إلى الخان يخلخل الموازين، إذ رغم رفض محمود بك جعله من ضمن التُّجار المنضوين تحت جناحه، إلا أن جودت بالحيلة وشراء النفوس الضعيفة إلى جانب محاولات القتل يتسلسل شيئاً فشيئاً ويصبح له كلمته ضمن الخان. 

بداية قلب الموازين بدأت بالسعي لتصفية الأب الذي نجا من الموت لكنه دخل في غيبوبة، ثم باستمالة خالد الذي تنظر إليه عائلة الصافي بنوع من الاستخفاف، تلاها مقتل أحمد على يد أخيه بالخطأ في مزرعة جودت، لكن التحول الكبير تم بعد كشف معين باشا (جمال قبش) لعامر الصافي (لجين إسماعيل) عن أوراق تثبت ملكيته لكل تجارة بيت الصافي، وتأكيده على ضرورة أن يستلم هو إدارة تلك التجارة في ظل غيبوبة أبيه ومقتل أخيه أحمد.

رغم عدم معرفة عامر بأي شيء عن تلك التجارة كونه محامي ومتخاصم مع والده منذ سنوات، لكنه شخصية نارية وقوية ولها قدرة دائمة على المجابهة، وتتعزز تلك الصفات بعد مقتل زوجته على أيدي قطاع طرق، لكن في كل الشرور، الشكوك تتوجه نحو جودت المتعامل مع العسكر العثماني والذي يتاجر بالخشخاش وبواسطة تلك التجارة حصَّل الكثير من الأموال، وبات يسعى لزيادة أملاكه باستمرار. 

لعبة جودت كانت إقصاء الضعفاء في تجارة “التُّتُن”، واختلاق الأكاذيب لتحقيق مآربه، وإغراء أصحاب الأراضي التي تزرع الدخان بالمال من أجل عدم توريد بضاعتهم لعائلة الصافي، ومن لا ينفع معه الإغواءات المالية يقوم بإرسال من يقوم بتصفيته.

المفاجأة الكبرى تمت بعد عودة محمود بك إلى الصحوة بعد غيبوبة طويلة ليكتشف وفاة ابنه أحمد الذي يعول عليه كخليفة له في السوق، واستلام عامر بدلاً منه، والأنكى تغوُّل جودت في السوق والذي بات بقوى مالية مضاعفة عما كان عليه، ليشتعل الصراع وتعلو ذُراه من جديد.

اعتدنا في الأعمال التي تتناول حقبة تاريخية معينة من دمشق على صراعات عائلية وتجارية، لكنها في هذا العمل الذي أخرجه مضر إبراهيم، لم تكن اعتيادية، لأنها اشتغلت على شيطنة التجارة وسطوة رأس المال وشراسة السعي نحو السلطة، وهنا لم يكن الصراع بين الخير والشر، ففي كثير من الأحيان صراع بين شرّ مع شرٍّ أكثر منه، صراع قيم مجتمعية تميل غالباً باتجاه الأقوى والأكثر تسلُّطاً.

طبعاً تلك التوترات الدرامية المتواصلة وازتها بعض الملامح المجتمعية المحببة والتي تُعتبر بمثابة بهارات جمالية على الأعمال الدمشقية، ومنها صراع ضراير منير بك (أحمد الأحمد) الذي يستطيع تحقيق التوازن في تحالفاته التجارية مع جودت، لكنه لا ينجح بالدرجة ذاتها فيما يتعلق بزوجتيه، فضلاً عن سطوة الأم في عائلة الصافي (كارمن لبس) على كنَّاتها وأبنائها، وكأن بذلك تصنع لنفسها مكانة داخل البيت توازي مكانة زوجها محمود بك خارجه.   

فضلاً عن العلاقات العاطفية المتناقضة التي بدأت ملامحها بالظهور، بين عامر الصافي وأخت جودت (لين غرة) رغم النفور الذي حكم علاقتهما في البداية لأنها تعتبره عدواً لأخيها، وأيضاً العلاقة بين جودت وأخت عامر (روزينا لاذقاني) بعدما شاهدها أكثر من مرة آخرها في عزاء زوجة عامر. 

أي أن “تحت الأرض” بموسمه الحار، كان حاراً من ناحية التوترات الدرامية المتواصلة، والتي حققت تشويقاً عالياً، من خلال قوانين السوق والاستئثار بالسلطة ضمن الخان وكل ما يتعلق بتجارة الدخان، إلى جانب النفحة العاطفية التي بدأت تتركز بعد الحلقة العاشرة، أما الحرارة الأكبر فكانت بسبب الألق في أداء الممثلين بتجسيداتهم لمستويات الشر المختلفة، ولمستويات الضعف والقوة في شخصياتهم، وأيضاً لدرجات الذّئبية المتمرسة في نفوسهم، وهو ما ستكشفه الحلقات القادمة من العمل الذي أنتجته شركة كلاكيت.