الذاكرة الذوقية.. “بزنس الأكل” في الإمارات

تتنوع المأكولات في دولة الإمارات، بشكل يمكن أن نطلق عليها اسم “بزنس الأكل”، حيث يعيش في الدولة أكثر من 200 جنسية من أغلبية دول العالم، الأمر الذي يحتّم على المتخصصين في فنون الطهي افتتاح مطاعم تقدم أطعمة تناسب حضارة الشعوب.

وفي شهر رمضان المبارك، تجتهد جلّ المطاعم في تقديم الجديد، سواء من ناحية العروض على وجبات الإفطار أو البوفيه المفتوح، فالساحة مفتوحة للتنافس على الإبهار والتميز.

والمطاعم هنا، فضلاً عن أنها تُشبع حاجة الإنسان من غريزة الجوع، إلا أنها من جانب آخر تحمل طابعاً ثقافياً لا يتوقف عند الحدود السطحية للأكل والمقادير، بقدر ما يشكل انعكاساً لفلسفة أخرى من المعرفة بحضارات وثقافات دول أخرى.

ومن قراءة أسماء المطاعم في الدولة، نرى أن هناك مطاعم مغربية ومصرية ولبنانية وسورية وأردنية ويمنية وسعودية وعراقية، وكذلك أفغانية وهندية وباكستانية وفلبينية وإيرانية وتايلندية وتركية، فضلاً عن أمريكية وأوروبية طبعاً، وغيرها الكثير.

هذه المطاعم تقدم أفضل ما لديها من بلد المنشأ، فمن الطبيعي مثلاً أن يقدم مطعم مغربي “الكسكسي”، والمصري “الكشري”، واللبناني “المشاوي”، والسوري “الشاورما”، والأردني “المنسف”، واليمني “المندي والمظبي”.. إلخ.

في حين تتربع أطعمة مشهورة في المطاعم الأفغانية كـ”الكباب”، والهندية “البرياني”، والباكستانية “كراهي لحم”، وغيرها من الأطعمة في مطاعم أخرى كـ”الزربيان” و”الروبيان” و”المحاشي” و”اليالانجي” و”الكنتاكي”..

حين دخولك إلى مطعم هندي مثلاً، سيمتلئ رأسك بما لذ من أطايب البهارات والتوابل التي يتميز بها المطبخ الهندي، وحين تقرأ في قوائم طعام بلد هو من أكثر بلدان العالم تنوعاً في القوميات والأديان، ستفاجأ أن “البرياني” كوجبة تجمع هذا الشعب الآسيوي الذي يشكل أكبر جالية آسيوية في الإمارات، حتى إن أسعار الوجبات الهندية تُعتبر رخيصة مقارنةً بغيرها من الوجبات في مطاعم أخرى كالسورية أو اللبنانية.

ففي مطاعم هذين البلدين الجارين، ثمة تشابه كبير في قوائم الطعام، ولعل الكثير من الجنسيات الأخرى تحاول التعرف على ثقافتهما من خلال المأكولات التي جاءت البعض منها من المطبخ التركي المعروف بوجبات عدة منها “شاورما” و”شيش طاووق” و”رز وفاصولياء”، وما إلى ذلك، على خلاف المطعم العراقي مثلاً بوجبة “باجة” أو السعودي الدسم نوعاً ما بوجبة “الكبسة” أو المطبخ الإماراتي الغني بالسمك والمأكولات البحرية والشعبية.

ويبدو أن الطعام يذكّر المغترب ببعض أجزاء وطنه، وهو إذ (الطعام) يخبئ كمية كبيرة من الحنان في وجباته ومقاديره التي تشكل ما يُسمى “الذاكرة الذوقية” إن جاز التعبير، ولاسيما أن الإمارات بلد يشكل فيه العمل جزءاً كبيراً من وقت الإنسان، يأتي الهروب إلى المطاعم نوعاً من الإشباع الروحي، كون المجال مفتوحاً لأي ثقافة أن تفتتح مطعماً لها.

وفي بلد يُعد من البلدان الكبيرة في استهلاك الطعام، حسب استطلاع لـ”ماستر كارد”، الذي استخلص أن “المطاعم والترفيه هي في طليعة أولويات المستهلكين في الإمارات” نستذكر المثل الفرنسي أو الإيرلندي ربما، حيث يقول: “جميع المشاكل تُحل على مائدة الطعام”، ذلك أن الأكل لا يفارق الإنسان الغريب عن بلاده، فكان أن فُتحت مطاعم في البلد الذي يقيم فيه إذاً.