
“فيروز”.. هكذا فلسف نبيل الملحم “جارة القمر”
بدايةً، يبدو غلاف كتاب “السيدة.. تمرين على النجاة”، الذي أصدره الروائي السوري نبيل الملحم هذا العام 2026، لوحةً تبدو فيها فيروز شامخة كإلهة هاربة من إحدى الأساطير. غلاف رسمه لقمان أحمد.
كتاب صغير الحجم لكنه ثريّ كمّاً. واللافت فيه الإهداء لأصغر أحفاد المؤلف، ذات العِرق العربي-الأندلسي، ومنها إلى فيروز التي لم تكن بالنسبة له مغنّية فحسب بل هي جغرافيا وتاريخ، فكل كلمة جاءت في الكتاب بلغة فلسفية وأدبية تقدم فيروز لقرائها كوطن.
لا لا.. ليست وطناً فحسب، إنما حضارة فينيقية تحمل سفنها صدى صوتها في أصقاع الروح. هذه الحضارة تجمع بين الكاتب، ابن سوريا وابنة لبنان، ويشفع له فخره بحسن إصغائه لأغانيها التي يعشق.
ورغم أن الكتاب لم يحصر نفسه في أسماء مسرحيات فيروز وأغنياتها، بل يلاحق الأثر ويتساءل بأسلوب جميل ومنمّق فلسفي بعيد كل البُعد عن لغة فيروز التي لا تقبل التعقيد، لكنه فجأة يحسّ بما يتوارد في ذهن القارئ برّره بالتقمّص وخياله السارح بصوتها. وحقاً ثمة شيء يعمل في الخفاء والسرّ لم يكن في الحنجرة فقط بل في الثقة وذاك الصوت الذي يثق بالعالم.

وينتقل من فيروز إلى حال الفنان دافنشي وهو يطلب من تمثاله النطق، متسللاً إلى عوالم شكسبير وفنسنت فان غوخ ونيتشه، ولم ينسَ بيتهوفن وسيمفونيته التاسعة وليو تولستوي.. تحدث عنهم جميعاً بما عانوه، إلا أن أثرهم كدليل قاطع على بقائها حية مهما حصل.
يتنقل الكتاب مجدداً بين أفكار متنقلة مرةً كتاريخ وكجغرافيا مرةً أخرى، إلى أن يصل للحديث عن الرحابنة بعراقة فنّهم لحناً وكلمة، وبلغتهم البسيطة المحكية وصوت السحر الذي يلامس القلوب، ما أدى لانتشار فنهم في الكون بهوية لبنان الأرز.
ويغوص نبيل الملحم في سرده عن زياد ونشأته بين أحضان العائلة التي لم تفصل الفن عن الضمير. وهذا ربما يكون أحد أهم أسباب انتشارهم اللامحدود في زمن معين أو ضمن بقعة جغرافية واحدة.
المثير للدهشة أن الملحم لم يتحدث بلغة السيَر الذاتية الشخصية أبداً. وفي رحلة مطاردة المعلومة عنها، بوصفه أو بتجسيده لإحدى حالاتها، يبدو ذلك عبثاً، فقد راح يلاحق الأثر ورحتُ ألاحق مفرداته.. ولكن ما الآتي يا ترى؟ لا شيء، راح الكاتب يتابع ملاحقة الأثر محاولاً إبعاد فكرة اختفائها فجأة.. شعور قد يصل قارئ الكتاب ليُبعده سريعاً.
في الحقيقة، مفهومٌ تماماً الصعوبة التي عانى منها الملحم في الكتابة عن شخصية ثرية لا حدود ولا أبعاد يسهل حصرها في جهة واحدة ولا حتى أربع جهات أيضاً، علماً أنه ختم كتابه بشكره لأم زياد على أنها لا تزال حية وستقرأ رسالته.



