
كتاب “الخراج”.. رؤية متكاملة للإدارة المالية ووثيقة أممية
التعريف بالمؤلف
القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري (113-182هـ / 731-798م) هو أحد أبرز الفقهاء في المدرسة الحنفية، وأول من تولى منصب قاضي القضاة في الدولة العباسية.
نشأ في الكوفة وتلقى العلم على يد الإمام أبي حنيفة النعمان، فبرز في الفقه والحديث والاقتصاد الإسلامي. عُرف بذكائه وفطنته في القضايا الشرعية والمالية، مما جعله مقربًا من الخلفاء العباسيين، لا سيما هارون الرشيد، الذي طلب منه تأليف كتاب الخراج ليكون دليلًا إداريًا وماليًا للدولة.
كان أبو يوسف من أوائل الفقهاء الذين اهتموا بالجوانب العملية للإدارة المالية، مما جعله شخصية بارزة في تطوير الفكر الاقتصادي الإسلامي.

التعريف بكتاب الخراج
يُعد كتاب الخراج من أهم المؤلفات الاقتصادية والمالية في التاريخ الإسلامي، حيث وضع فيه أبو يوسف الأسس الفقهية لنظام الضرائب (الخراج، العُشور، والزكاة)، وأوضح فيه المبادئ العادلة لجباية الأموال وصرفها بما يحقق العدالة والتنمية الاقتصادية. كما ناقش فيه حقوق الرعية وواجبات الحاكم في تحقيق التوزيع العادل للثروة وحماية مصالح الأمة.
أهمية الكتاب وتأثيره
يتميّز كتاب الخراج بأنه ليس مجرد كتاب فقهي، بل يُعتبر وثيقة اقتصادية وإدارية تحدد المبادئ الأساسية لإدارة الموارد المالية وفقًا للشريعة الإسلامية، مع التركيز على العدل، والتنمية الاقتصادية، ورفاهية المواطنين. وقد أصبح مرجعًا هامًا في الفكر المالي الإسلامي، وكان له تأثير في النظم المالية للدول الإسلامية اللاحقة.
رأي المستشرقين في الكتاب
حظي كتاب الخراج باهتمام كبير من قبل المستشرقين، حيث أشار العديد منهم إلى أهميته في دراسة تطور الفكر الاقتصادي والإداري في الإسلام. ومن أبرز أقوالهم:
يقول جوزيف شاخت: “كتاب الخراج لأبي يوسف ليس فقط دليلًا في الفقه المالي، بل هو نموذج مبكر للحكم الرشيد والعدالة الضريبية في الإسلام”.
ويؤكد آدم متز في كتابه “الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري”، أن: “هذا الكتاب يقدم رؤية متكاملة للإدارة المالية، تكشف عن تقدم المسلمين في مجال التنظيم المالي مقارنة بالحضارات المعاصرة لهم”.
كما يرى توماس أرنولد أن “هذا الكتاب يعد شاهدًا على مدى تطور الفكر الإسلامي في المسائل المالية والاقتصادية، حيث يوازن بين المصالح العامة والعدالة الاجتماعية”.
لماذا يُعد من وثائق الأمم المتحدة؟
تم تصنيف كتاب الخراج ضمن الوثائق المعترف بها من قبل الأمم المتحدة بسبب قيمته التاريخية والاقتصادية، حيث يُنظر إليه كأحد أقدم الوثائق التي تتحدث عن العدالة الضريبية والتنمية الاقتصادية المستدامة، وذلك لعدة أسباب:
التأسيس لمبادئ الحكم الرشيد: يعكس الكتاب أهمية المساءلة والشفافية في إدارة الأموال العامة، وهو ما يتوافق مع مبادئ الإدارة الحديثة التي تروّج لها المنظمات الدولية.
حقوق المواطنين الاقتصادية: يركز الكتاب على أن فرض الضرائب يجب أن يكون عادلًا ولا يؤدي إلى ظلم الناس، وهو مبدأ أساسي في السياسات الضريبية الحديثة.
التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية: يناقش الكتاب كيفية استخدام الإيرادات العامة في تحقيق التنمية الاجتماعية والبنية التحتية، وهي أهداف تتماشى مع مبادئ الأمم المتحدة في تحقيق التنمية المستدامة.
التاريخ الاقتصادي العالمي: نظرًا لأنه يُعد من أقدم الوثائق المكتوبة حول النظم الضريبية، فقد حظي باهتمام الباحثين والمنظمات الدولية كمصدر أصيل لدراسة تطور الفكر الاقتصادي.
متى تم اعتماده في الأمم المتحدة؟
تم الاعتراف بكتاب الخراج كوثيقة مرجعية اقتصادية وإدارية في أوائل القرن الحادي والعشرين، حينما بدأ الباحثون الدوليون في إدراج مصادر التراث الإسلامي ضمن دراسات الحوكمة الرشيدة والعدالة الضريبية. وقد أشار عدد من التقارير الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) إلى الكتاب كأحد المراجع التاريخية المهمة التي تقدم رؤية متكاملة حول الإدارة المالية في التاريخ الإسلامي.
خاتمة
يظل كتاب الخراج للقاضي أبي يوسف تحفة تاريخية وفكرية في مجال الاقتصاد الإسلامي، وهو نموذج مبكر للحكم الرشيد والعدالة المالية. وكونه معترفًا به من قبل الأمم المتحدة يعكس قيمته العالمية، حيث يتقاطع مع مبادئ الحوكمة الحديثة والعدالة الاقتصادية التي تسعى الدول اليوم إلى تحقيقها.