
زياد الرحباني الإنسان في كل زمان ومكان
“بَعد 5 دقائق مِن ولادتك، سيقررون اسمك، جنسيتك، دينك وطائفتك، وستقضي طول حياتك تُقاتل وتُدافع بغباء عَن أشياء لم تَخترها”.
بهذه العبارة، لخص الراحل زياد الرحباني حال الشعوب العربية، حال المواطن العربي، الذي يخلق منذ ولادته مدافعاً عن دينه، سواء اقتنع به أم لا، مدافعاً عن كل ما لُصق به من انتماءات وانحياز وتكتلات سياسية ودينية ووطنية وقومية أيضاً.
ولعل أجمل ما قيل في زياد أنه كان متمرداً، منحازاً للإنسان والإنسانية فقط، مترفعاً عن الانتماءات والطوائف، ما يظهر في كلماته ومقولاته التي أصبحت اقتباسات متداولة بين الناس منذ لحظة نطقه بها، “يا زمان الطائفية، طائفية وطائفيك، حامل ليرة بتسوى ليرة، درزي، بوذي أو كاتوليك”.
لم يكن زياد ابن فيروز وعاصي الرحباني فقط، بل كان ابن لبنان، لبنان الذي أحبه حد الخوف، كما يخاف العاشق من تغير طباعه وشخصيته إرضاءً لمحبوبه، وفي نفس الوقت لم يجتهد لتغيير محبوبه، بل أحبه كما هو “أنا ما عم جرب غيّر البلد، ولا عم جرب غير شي، أنا عم جرب بس ما خلي هالبلد يغيّرني، هيدي لوحدا إذا بتزبط معي يعني انتصار”.
لم يكن زياد فناناً وشاعراً وملحناً وموسيقياً وممثلاً فقط، بل كان إنساناً قبل كل شيء ولذلك كانت كلماته تعبيراً صارخاً عن هموم المجتمع اللبناني، “أنا مش كافر، بس الجوع كافر، بس المرض كافر، بس الفقر كافر، أنا مش كافر لكن شو بعملك إذا اجتمعوا في كل الاشيا الكافرين”.
لم يتكلم زياد كفنان، بل كإنسان، أسقط كل الأقنعة، وكل المجاملات والمصالح، حارب الأنظمة المستبدة ورفع صوته في وجهها مدافعاً عن إخوته في الإنسانية “أنا مش ضد النظام، أنا ضد إنو النظام يكون أقوى من الإنسان”.
المدافع عن الفقراء والمحتاجين، صوت المظلومين، الثائر المتمرد، لم يتعال يوماً عمن نصب نفسه للدفاع عنهم، بل كان يجالسهم في المقاهي البيروتية، في الجميزة أو الحمرا، متأملاً وجوههم، وشخصياتهم، ولعله كان يرى نفسه في كل شخص يمر أمامه، ولعله قال جملته المشهورة، وهو يتأملهم على طاولته الصغيرة في المقهى، ” شعب بيشرب قهوة لازم يكون أوعى من هيك “.
تسعة وستون عاماً قضى زياد أكثرها في التأليف والتلحين والتوزيع، لكنه قضاها أكثر في مناصرة الشعوب، والدفاع عن قضاياها، دون أن يخاف من قول كلمة حق، على عكس فنانين كثر، انتقدهم هو نفسه لامتناعهم عن قول آرائهم خوفاً من خسارة جمهورهم، وبذلك استحق أن يقول عن نفسه كما نقول نحن عنه أنه الفنان الحر، “أنا حر لأنو ما عندي شي اخسروا، واللي بخاف يخسر مش حر”.
رحل زياد الرحباني عن عالمنا في 26 يوليو/تموز.
لقراءة المزيد من المواد الصحفية ذات الصلة في موقع “بزنس برس”:



