الحرائق تلتهم زيت الزيتون السوري.. ماذا بعد؟

في إحدى قرى مدينة اللاذقية السورية، يسير أيمن العلي بخطى متثاقلة، يراقب بحزن أرضه التي طالما افتخر بها.

كان أيمن يزرع زيتوناً يفاخر بجودته في كل موسم، يعكف على الاعتناء بأشجاره طوال العام، لكنه اليوم يقف على أطلال أرضه المحروقة. 

يداه المرتجفتان لا تقويان على مسك عصاه التي طالما كانت رفيقته في مواسم الزيتون، وعيناه تدمعان أمام مشهد الحريق الذي أتى على كل ما بناه طوال سنوات. 

الموسم الذي كان يعد بمثابة الأمل في تأمين رزقه وحياة أسرته، اختفى في لمح البصر، بسبب شرارة واحدة أشعلت النيران في بساتينه، لتلتهم الأخضر واليابس في لحظات.

آلاف المزارعين في سوريا، في اللاذقية وطرطوس وبعض قرى مصياف وحمص يعيشون الغصة ذاتها، والحسرة نفسها، وعلى الرغم أن الخسارة المبدئية كانت في المحصول الحالي، إلا أن الأضرار الحقيقية ستكون أشد وطأة من مجرد فقدان موسم واحد.

الخسارة الطويلة.. آثار الحريق على أشجار الزيتون

الحرائق التي التهمت بساتين الزيتون لم تقض على موسم هذا العام فقط، بل أسفرت عن ضرر طويل الأمد. 

الأشجار التي دمرتها النيران ستحتاج سنوات عديدة حتى تنمو وتثمر مجدداً؛ فزراعة الزيتون ليست عملية سريعة، إذ يتطلب الأمر وقتاً طويلاً لنمو الأشجار وتكوين المحصول الذي يمكن حصاده.

وهذا يعني أن المزارعين الذين فقدوا حقولهم هذا العام، قد يواجهون سنوات من الفقر والعجز الاقتصادي قبل أن يكتمل تعافي أراضيهم. 

كما أن الخسارة ليست فقط في المحصول الحالي، بل في استثمارات طويلة الأمد تتطلب جهداً وموارد لإعادة التأهيل.

سامر وسوف، مثل غيره من مزارعي الزيتون في المناطق المتضررة، يرى أن جراح الأرض لن تلتئم بسهولة. “الحرائق دمرت أكثر من 50 شجرة زيتون كانت تنتج لي زيتاً ممتازاً، وأشجار أخرى لم تثمر بعد. الآن، هذه الأرض بحاجة إلى وقت طويل لتعود إلى سابق عهدها، وربما لن أعيش حتى أرى ثمارها مجدداً”، يقول سامر وهو يشير لأشجاره المحروقة بالكامل.

تحديات المزارعين.. من التكاليف إلى الخسائر

المعاناة التي يواجهها مزارعو الزيتون في سوريا ليست فقط بسبب الحرائق، بل بسبب تكاليف الإنتاج العالية التي يتحملونها طوال العام.

ابتداء من الأسمدة، إلى ري الأراضي، وليس انتهاء بأجور اليد العاملة، يواجه الفلاح السوري أعباء اقتصادية ثقيلة في كل موسم. في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، فهو يعاني من ارتفاع الأسعار في كل شيء، من الوقود إلى المدخلات الزراعية. وهذه التكاليف تتضاعف في حالة تعرض المواسم لكارثة طبيعية مثل الحرائق، التي تأتي لتزيد الطين بلة.

إنتاج سوريا من الزيتون وزيت الزيتون.. من القمة إلى الهبوط

سابقاً كانت سوريا تعد واحدة من أكبر المنتجين والمصدرين لزيت الزيتون في المنطقة؛ فقد كان إنتاج الزيتون في سوريا يتراوح بين 800 ألف إلى مليون طن سنوياً، ما يجعلها من أبرز الدول المصدرة في البحر الأبيض المتوسط، وكانت المناطق الساحلية السورية، من اللاذقية وطرطوس إلى حمص، تشتهر بجودة زيت الزيتون الذي كان يصدر إلى العديد من الدول العربية والأوروبية.

لكن هذا العام، ومع الخسائر الفادحة التي ألحقتها الحرائق بالأراضي الزراعية، من المتوقع أن يتراجع إنتاج سوريا من زيت الزيتون بشكل كبير، ربما لأكثر من النصف. هذا التراجع سيؤثر ليس فقط على الأسواق المحلية، حيث من المرجح أن ترتفع الأسعار بشكل ملحوظ، بل أيضاً على القدرة التصديرية، التي ستتعثر بسبب انخفاض الكميات المتاحة.

سوريا التي كانت تنتج أكثر من 150 ألف طن من زيت الزيتون سنوياً، ستواجه هذا العام صعوبة في تلبية الطلبات المحلية والدولية، مما قد يؤدي إلى نقص حاد في السوق.

التداعيات الاقتصادية.. معاناة مضاعفة للمواطنين

هذا التراجع في إنتاج زيت الزيتون سيتسبب في نقص المادة في الأسواق المحلية، ما سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق. 

والمواطن السوري، الذي يعاني بالفعل من أزمة اقتصادية خانقة، سيجد نفسه مضطراً لدفع أسعار أعلى للمنتجات الأساسية. وزيت الزيتون، الذي كان يعتبر عنصراً رئيسياً في المطبخ السوري، قد يصبح منتجاً بعيد المنال بالنسبة للكثير من العائلات، مما يزيد من معاناتهم.

وعلى الرغم من أن الحكومة السورية أعلنت عن خطط لدعم المزارعين المتضررين من الحرائق، فإن الأمل في التعافي لا يزال بعيداً. 

إعادة تأهيل الأراضي المحروقة يتطلب وقتاً وموارد ضخمة، وعملية زراعة الزيتون مجدداً ستأخذ سنوات حتى تؤتي ثمارها. لذلك، قد يستمر هذا الوضع الصعب لعدة سنوات قبل أن يعود الإنتاج إلى مستوياته السابقة.

ماذا بشأن عفرين “عاصمة الزيتون”؟

منطقة عفرين السورية تُعرف بإنتاج زيت زيتون عالي الجودة، إلا أن الإنتاج انخفض بسبب الاستيلاء التركي على أكثر من مليون شجرة، واحتلال المدينة بالكامل، بالإضافة إلى نهب المعاصر والسرقات من قِبل الفصائل المسلحة، بحسب تقارير.

ووصل عدد أشجار الزيتون إلى 18 مليون شجرة وإنتاج سنوي يصل إلى 270 ألف طن، قبل أن يتأثر الإنتاج، فيما وصل إنتاج زيت الزيتون في السنوات الماضية إلى 270 ألف طن تقريباً.

هل هناك أمل في التعافي؟

إن إعادة بناء ما دمرته الحرائق يتطلب استثمارات كبيرة في القطاع الزراعي، بما في ذلك توفير الدعم المالي للمزارعين، وتقديم القروض الميسرة لشراء الشتلات والأسمدة اللازمة، لكن مع تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد، يبقى الأمل في التعافي ضئيلًا، خاصة في ظل ارتفاع التكاليف وصعوبة الحصول على المواد الأولية اللازمة للزراعة.

بالإضافة إلى الدعم الحكومي، ستظل الحاجة إلى التنسيق بين المزارعين والمنظمات الإنسانية والمجتمع المدني لإيجاد حلول سريعة ومستدامة. لكن عملية التعافي ستكون طويلة ومعقدة، وستستغرق وقتًا لا يُستهان به.